جلال الدين السيوطي
11
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
أحد صاحبه بالكذب ، ولا يقذفه بالتزيّد ؛ لأنّهم يبعدون عن ذلك . فأما حضور حفظه وذكاؤه فإنّه كان في ذلك أعجوبة ، أخبرنا محمد بن يحيى أخبرنا القاسم بن إسماعيل حدثنا التوزيّ ، قال : كنا عند الأصمعيّ ، فوقف عليه أعرابيّ من بني أسد ، فقال له : ما معنى قول الشاعر : لا مال إلا العطاف تؤزره * أمّ ثلاثين وابنة الجبل فاندفع الأصمعيّ ينشد باقي الشعر ، فعجب الأعرابيّ ، وقال : ما رأيت عضلة كاليوم . أخبرنا أبو روق الهزانيّ : أخبرنا الرياشيّ ، قال : كنا عند الأصمعيّ ، فوقف عليه أعرابيّ ، فقال : أأنت الأصمعيّ ؟ فقال : نعم . قال : أنت عالم أهل الحضر بكلام العرب ؟ قال : كذلك يزعمون . قال : ما معنى قول الأول : وما ذاك إلا الديك شارب خمرة * نديم الغراب لا يملّ الخوابيا فلما استقلّ الصبح نادى بصوته * ألا يا غراب هل رددت ردائيا فقال الأصمعيّ : إنّ العرب كانت تزعم أنّ الديك في ذلك الزمان الأول كان ذا جناح يطير به في الجوّ ، وأنّ الغراب كان ذا جناح كجناح الديك لا يطير به ، وأنّهما تنادما ذات ليلة في حانة يشربان ، فنفد شرابهما ، فقال الغراب للديك : لو أعرتني جناحك لأتيتك بشراب . فأعاره جناحه ، فطار ولم يرجع ، فزعموا أنّ الديك إنّما يصيح عند الفجر استدعاء لجناحه من الغراب . فضحك الأعرابيّ ، وقال : ما أنت إلا شيطان . وهذا الشعر لأمية بن أبي الصلت « 1 » . وأخبرونا عن أبي حاتم ، قال : قلت للأصمعيّ : نقول الرّبّة والرّبّة للجماعة من الناس . فلم يتكلّم فيه ؛ لأنّ في القرآن : رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ [ سورة آل عمران ، الآية 146 ] . أخبرنا جعفر بن محمد قال : أخبرنا محمد بن الحسن الأزديّ أخبرنا أبو حاتم :
--> ( 1 ) انظر : أمية بن أبي الصلت : حياته وشعره : 323 ، وفيه إشارة إلى أنّ عجز البيت الثاني مختلّ الوزن والصواب « نديم غراب » .